الشيخ محمد رشيد رضا

320

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

حنيفة وحده مع مخالفة جميع أصحابه له ، ونقل عنه أنه رجع عنه إلى الاجماع ، وما ينقل عن أحد من المسلمين أنه عمل به « على أنه لا حجة في عمل أحد ولا في قوله غير المعصوم » فكان هذا الاجماع العام المطلق مما يؤيد حفظ اللّه تعالى للقرآن ، وأراد ملاحدة الترك أن يبطلوه في هذا الزمان ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ * ( سورة الصف 61 : 9 و 10 ) منشأ فكرة ترجمة القرآن وسببها لقد كان ضعف الخلافة القرشية بجهل الخلفاء وترفهم وفسقهم سببا لتفرق المسلمين فتخاذلهم فضعفهم ، إذ كان سببا لتأسيس عدة دول اسلامية تتنازع السلطة - ولضعف اللغة العربية وترك الأعاجم لها ، فاضطرارهم إلى ترجمة بعض الكتب الدينية وتدريس العربية منها بالترجمة فالشعور بالحاجة إلى ترجمة القرآن نفسه بلغاتهم لأجل فهمه بالاجمال ، ثم بالحاجة إلى ترجمته بسائر اللغات لأجل الدعوة بترجمته إلى الاسلام ، ولما انفردت دولة الترك العثمانيين دون سائر دول الأعاجم الاسلامية بجعل لغتهم رسمية لها ، ثم بادعاء منصب الخلافة لسلطانها ، اقتضى ذلك تعمد هذه الدولة لاضعاف الأمة العربية ولمعاداتها ، ولتفضيل لغة أبناء جنسهم ، على لغة كتاب ربهم وسنة رسولهم ، ثم لتفضيل رابطة جنسهم ولغتهم على رابطة دينهم ، ثم للاستغناء عن هذه بتلك ومن ثم صارت جامعة اللغة والقومية معارضة للجامعة الاسلامية وسببا لمعاداتها . ثم تجدد لدعاة العصبية الجنسية التركية سبب آخر لترجمة القرآن وهو التمهيد به إلى المروق من الاسلام ، ولم يفعل هذا الا الترك الذين نالوا بالاسلام دون غيره ما نالوا من العز والملك الكبير إن ملاحدة الترك ودعاة العصبية الجنسية منهم قد بثوا في قومهم فكرة الاستغناء عن القرآن المنزل من اللّه تعالى باللسان العربي بترجمته باللسان التركي قبل عهد الحرية الدستورية بسنين . وقد أنكرنا هذا عليهم قولا وكتابة ، وأول من سمعنا منه هذا الرأي محمد عبيد اللّه أفندي الذي صار بعد الدستور مبعوثا